سيد قطب
2619
في ظلال القرآن
والهلاك . فإنما هو جزاء النكسة عن خط الهدى ومنهج اليقين . ثم يبدأ معهم جولة جديدة عن القرآن الكريم : « وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ . وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ . إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » . . لقد قرر في الجولة الماضية أنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ؛ واستطرد مع تكذيبهم به ، واستعجالهم ما يتوعدهم من عذاب فيه . . وها هو ذا ينفي دعواهم أنه من وحي الشياطين على طريقة الكهان ، الذين كانوا يزعمون أن الشياطين تأتيهم بخبر الغيب ، وبالسمع الذي يتكهنون فيه بالأخبار . وما يليق هذا القرآن بالشياطين . وهو يدعو إلى الهدى والصلاح والإيمان . والشياطين تدعو إلى الضلال والفساد والكفر . وما هم بمستطيعين أن يأتوا به . فهم معزولون عن سماع الوحي به من اللّه . إنما يتنزل به الروح الأمين ، بإذن من رب العالمين . وليس هذا بميسور للشياطين . وهنا يلتفت بالخطاب إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يحذره من الشرك - وهو أبعد من يكون عنه - ليكون غيره أولى بالحذر . ويكلفه إنذار عشيرته الأقربين . ويأمره بالتوكل على اللّه ، الذي يلحظه دائما ويرعاه : « فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ . وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ . وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . . وحين يكون الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - متوعدا بالعذاب مع المعذبين ، لو دعا مع اللّه إلها آخر . وهذا محال ولكنه فرض للتقريب . فكيف يكون غيره ؟ وكيف ينجو من العذاب من يدعو هذه الدعوة من الآخرين ؟ ! وليس هنالك محاباة ، والعذاب لا يتخلف حتى عن الرسول ، لو ارتكب هذا الإثم العظيم ! وبعد إنذار شخصه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يكلف إنذار أهله . لتكون لمن سواهم عبرة ، أن هؤلاء يتهددهم العذاب لو بقوا على الشرك لا يؤمنون : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » . . روى البخاري ومسلم أنه لما نزلت هذه الآية أتى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - الصفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه ! فاجتمع الناس إليه ، بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « يا بني عبد المطلب . يا بني فهر . يا بني لؤي . أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟ » قالوا : نعم . قال : « فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ! أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل اللّه : « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . . » . وأخرج مسلم - بإسناده - عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : لما نزلت : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » قام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : « يا فاطمة ابنة محمد . يا صفية ابنة عبد المطلب . يا بني عبد المطلب . لا أملك لكم من اللّه شيئا . سلوني من مالي ما شئتم » . وأخرج مسلم والترمذي - بإسناده عن أبي هريرة - قال : لما نزلت هذه الآية . دعا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قريشا فعم وخص فقال : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم